السيد عباس علي الموسوي

345

شرح نهج البلاغة

الجهاد والعمل الصالح ويبادر إلى تصحيح مساره وسلوكه كي تتوافق كلها مع أوامر اللّه ونواهيه وتأتي منطبقة تماما مع مرادات اللّه وأحكامه . إن على المسلم أن يكون دائم الاستعداد للرحيل من هذه الدنيا فيجب أن يقطع تعلقه بما فيها من بهارج ومن مال وعقار ويكون في شوق مستمر إلى لقاء ربه وخالقه . وهذا الفرد المتطلع إلى ذلك اليوم الكريم والمنتظر له ، إنما هو الصالح من الناس الذي حسن عمله وزكّى تصرفه وأطاع ربه . . . إن على المرء أن يكون على الدوام مستعدا للرحيل حتى إذا فاجأه الموت كان على وضع يرضاه اللّه ويقبله ، أما إذا فاجأه الموت وهو على خلاف ذلك فإنها الخسارة والإهانة ولذا قال الإمام : يا بني أكثر من ذكر الموت وذكر ما تهجم عليه وتفضي بعد الموت إليه حتى يأتيك وقد أخذت منه حذرك وشددت له أزرك ولا يأتيك بغتة فيبهرك . ثم إن الإمام ينهاه بل ينهانا عن الاغترار بإخلاد أهل الدنيا إليها وتكالبهم عليها . وما أروع هذا النهي وأجلهّ ، إنه لا يرضى أن نخلد إلى الدنيا خلود أهلها إليها ، فإن من أخلد إلى الدنيا وسكن إليها وإطمأنّ بها قطع الأرحام من أجلها وقتل النفوس من أجل تحصيلها وباع الأوطان في سبيلها من أخلد إلى الدنيا لم يعد يفكر إلا في الحصول عليها والوصول إليها ، ولو كان ذلك على حساب الدين والضمير والمباديء والقيم . إن كل شيء يتبخر أمام حفنة من المال يجمعها ، أو لذة يقتنصها ، أو شهرة يرتفع بها أو كرسي يعلو عليها . إن من انقطع إلى الدنيا وذاب في أشيائها وملذاتها ابتعد عن الحق وسار في طريق الباطل وغامر بكل ما يستطيع في سبيل تحصيلها . وما نجده أمامنا من الصور المأساوية من أدلّ الأمور على ذلك حيث نجد أهل الدنيا لا ينظرون إلى الفقراء ونجد الطغاة يتحكمون في رقاب الضعفاء ونجد الأقوياء يسيرون في عمليات البطش والدمار . إن حب الدنيا يعمي ويصم فتتقطع به الأرحام فلا الوالد يعطف على ولده ولا الولد يحترم أباه وهكذا دواليك . إن الدنيا إذا تحولت إلى هدف بذاتها أفسدت الطبيعة البشرية وأضلت العقول السليمة ، وراح كل إنسان يسابق الآخرين من أجل تحصيلها وتحصيل ما فيها . . . فيستبيح الغش والخيانة كما يستبيح الربا والسرقة ويستبيح جميع المحرمات من أجل أن يكسب الدنيا ويجمع ثرواتها . ومن هنا شبهها الإمام وشبهّ أهلها بهذه التشابيه العادلة . . . شبهّ أهلها بالكلاب العاوية والسباع الضارية فكل واحد يصيح في وجه الآخرين ويشن عليهم حملة مسعورة من أجل مغنم يريده أو مكسب يبتغيه ، وهم كالسباع الضارية الكاسرة ، القوي يأكل الضعيف ، والكبير يقهر الصغير . بعضهم لا يستطيع الحركة فهو